لغة الشعر عند البدو: أصالة المورد ووحدة الوجدان..مقتطف من كتاب لغة الشعر عند البدو

بقلم د. إبراهيم الشكري

مدير عام المركز الخليجي للمعلومات والوثائق

تُعد لغة الشعر عند البدو ثروة أدبية فريدة، فهي ليست مجرد كلمات، بل هي أصدق تعبير عن روح المجتمعات البدوية وقيمها الراسخة.

الشعر عند البدو لسان الصحراء، ونداء الروح في الفلاة، هو ثروة أدبية لا تُقاس بالذهب ولا تُوزن بالفضة، بل يُوزن بصدق المعنى وصفاء الإحساس.

هو لغةٌ ليست لهجةً ولا قاعدةً، بل لغةُ القلب حين ينطق، ولغةُ البادية حين تُغني، يفهمها كل شاعرٍ مهما اختلفت لهجاته، لأنها تنبع من معينٍ واحد، وتعود إلى أصلٍ واحد.

يضرب شعر البادية بجذوره في عمق التراث، ويظل قائماً رغم تعاقب العصور، لأنه يستمد من الرمال خلودها، ومن النجوم دوامها، ومن حياة البدو بساطتها وصدقها.

في صحارى الجزيرة، وفي وديان العراق والشام، يلتقي الشعراء على وحدة الوزن والصيغة والأداء، كأنهم على اختلاف المواطن قلبٌ واحد، وصوتٌ واحد، ونَفَسٌ واحد. أما الرواة فهم حَمَلة هذا المجد، يرددون القصائد في المجالس، فيُحيونها كما يُحيي النسيم نار الوَقد.

وليس على دارس الشعر البدوي أن يُقيد نفسه بالنحو والصرف، فالشعر البدوي يعلو على القواعد، ويُقيم وزنه على الإيقاع الفطري، ويُشيّد موسيقاه على الانسجام الطبيعي.

يغلب على هذا الشعر صفاء الحياة البسيطة، وإن تسللت إليه مظاهر الحضارة، فإنه يظل محتفظاً بروحه الأصيلة، تلك الروح التي تُشبه الماء الزلال، والظل الظليل، والنسيم العليل.

أما من يزعم أن لهجة الشعر البدوي مشوّهة أو غير مفهومة، فقد ظلم نفسه وظلم الشعر؛ فالشاعر البدوي إذا أنشد قصيدته أبان معانيها وأحيا صورها، بينما يعجز الحضري عن إدراكها لعدم ألفته باللهجة. وليس من العدل أن يُطلب من البدوي أن يتكلم بغير لسانٍ ورثه عن آبائه وأجداده، فهو لسانٌ يحمل المعنى والإحساس، ويُجسد هويةً لا تنفصل عن جذور الأمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى