مدن تتنفس الرماد .. بقلم الكاتبة: هدى زوين

 

في كل مرة ترتفع فيها أعمدة الدخان من فوق المصانع يبدو المشهد وكأنه إعلان غير مكتوب عن انتصار الإنتاج على الإنسان فالتقدم الذي لا يُرى إلا من خلال الأرقام غالبا ما يخفي وراءه خسائر لا تظهر في التقارير الرسمية الهواء الذي يفترض أن يكون حقا مشتركا يتحول إلى عبء ثقيل والرئة البشرية تصبح السجل الحقيقي لنتائج السياسات المؤجلة

دخان المصانع لا يصعد إلى السماء وحده بل يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية إلى صحة الأطفال إلى تعب كبار السن وإلى مدن تفقد ملامحها شيئا فشيئا فالتلوث الصناعي لا يعلن حضوره دفعة واحدة بل يعمل بصمت طويل النفس حتى يصبح واقعا معتادا يصعب الاعتراض عليه

وفي قلب هذا المشهد يبرز سؤال لا يمكن القفز فوقه هل يمكن اعتبار التنمية إنجازا إذا كانت تقوم على استنزاف الإنسان قبل الموارد وهل يكون النمو الحقيقي هو ذاك الذي يوسع الاقتصاد بينما يضيق أفق الحياة وجودتها

المشكلة ليست في الصناعة باعتبارها ضرورة لا غنى عنها بل في غياب الرؤية التي توازن بين الإنتاج والحياة حين تصبح الأرباح الهدف الأوحد تتحول المصانع من أدوات بناء إلى مصادر تهديد وتغدو القوانين البيئية مجرد نصوص لا تطبق إلا على الورق

إن دخان المصانع لا يعترف بالحدود ولا يفرق بين مدينة وأخرى ولا بين طبقة وأخرى وما ينبعث من مدخنة واحدة قد يمتد أثره ليصيب مجتمعا بأكمله مؤكدا أن التلوث قضية جماعية وأن الصمت عنه ليس حيادا بل مشاركة غير مباشرة في استمراره

ومع ذلك لا تزال الفرصة قائمة فالتقنيات الحديثة والرقابة الجادة والتشريعات المسؤولة قادرة على إعادة تعريف العلاقة بين الصناعة والبيئة فالتقدم الحقيقي لا يقاس بعدد المصانع ولا بارتفاع المداخن بل بقدرة الإنسان على أن يعيش دون أن يختنق بما يصنعه

في النهاية يبقى دخان المصانع اختبارا حقيقيا لصدق القرارات ولجوهر التنمية فإما أن يكون الإنتاج في خدمة الإنسان أو يتحول الإنسان إلى ضحية صامتة له وما بين الخيارين يتحدد شكل المستقبل الذي نصنعه لأنفسنا وللأجيال القادمة.

في كل مرة ترتفع فيها أعمدة الدخان من فوق المصانع يبدو المشهد وكأنه إعلان غير مكتوب عن انتصار الإنتاج على الإنسان فالتقدم الذي لا يُرى إلا من خلال الأرقام غالبا ما يخفي وراءه خسائر لا تظهر في التقارير الرسمية الهواء الذي يفترض أن يكون حقا مشتركا يتحول إلى عبء ثقيل والرئة البشرية تصبح السجل الحقيقي لنتائج السياسات المؤجلة

دخان المصانع لا يصعد إلى السماء وحده بل يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية إلى صحة الأطفال إلى تعب كبار السن وإلى مدن تفقد ملامحها شيئا فشيئا فالتلوث الصناعي لا يعلن حضوره دفعة واحدة بل يعمل بصمت طويل النفس حتى يصبح واقعا معتادا يصعب الاعتراض عليه

وفي قلب هذا المشهد يبرز سؤال لا يمكن القفز فوقه هل يمكن اعتبار التنمية إنجازا إذا كانت تقوم على استنزاف الإنسان قبل الموارد وهل يكون النمو الحقيقي هو ذاك الذي يوسع الاقتصاد بينما يضيق أفق الحياة وجودتها

المشكلة ليست في الصناعة باعتبارها ضرورة لا غنى عنها بل في غياب الرؤية التي توازن بين الإنتاج والحياة حين تصبح الأرباح الهدف الأوحد تتحول المصانع من أدوات بناء إلى مصادر تهديد وتغدو القوانين البيئية مجرد نصوص لا تطبق إلا على الورق

إن دخان المصانع لا يعترف بالحدود ولا يفرق بين مدينة وأخرى ولا بين طبقة وأخرى وما ينبعث من مدخنة واحدة قد يمتد أثره ليصيب مجتمعا بأكمله مؤكدا أن التلوث قضية جماعية وأن الصمت عنه ليس حيادا بل مشاركة غير مباشرة في استمراره

ومع ذلك لا تزال الفرصة قائمة فالتقنيات الحديثة والرقابة الجادة والتشريعات المسؤولة قادرة على إعادة تعريف العلاقة بين الصناعة والبيئة فالتقدم الحقيقي لا يقاس بعدد المصانع ولا بارتفاع المداخن بل بقدرة الإنسان على أن يعيش دون أن يختنق بما يصنعه

يبقى دخان المصانع اختبارا حقيقيا لصدق القرارات ولجوهر التنمية فإما أن يكون الإنتاج في خدمة الإنسان أو يتحول الإنسان إلى ضحية صامتة له وما بين الخيارين يتحدد شكل المستقبل الذي نصنعه لأنفسنا وللأجيال القادمة.
كاتبة وإعلامية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى