جوته ومصر… رسالة تكشف شغف شاعر ألمانيا بالحضارة المصرية القديمة

بقلم الدكتور:- إبراهيم حامد عبداللاه
أستاذ الأدب الألمانى-عميد كلية الألسن
رئيس قسم اللغة الألمانية كلية الآداب..
جامعة بنى سويف

 

في زمن تتجدد فيه الأسئلة حول الحوار بين الحضارات، تعود إلى الواجهة وثيقة أدبية نادرة كتبها الشاعر الألماني الكبير يوهان فولفجانج فون جوته عام 1827، تكشف جانباً لافتاً من شغفه بالحضارة المصرية القديمة، وتقدم صورة مغايرة للمثقف الأوروبي في القرن التاسع عشر، بوصفه باحثاً عن المعرفة ومنفتحاً على الآخر الثقافي.
الرسالة المؤرخة في فايمار بتاريخ 12 أغسطس 1827، والمعنونة بـ”رسالة جوته عن مصر”، نُشرت لاحقاً بوصفها وثيقة ذات قيمة أدبية وتاريخية، إذ لا تكتفي بإظهار اهتمام عابر بمصر، بل تعكس وعياً عميقاً بأهمية علم المصريات الناشئ آنذاك، وتقديراً لجهود الباحثين في كشف أسرار الحضارة المصرية القديمة.
رسالة لجوته عن مصر
بقلم م. بيبر
في المعهد الألماني للآثار المصرية تُعلَّق نسخة طبق الأصل من رسالة كتبها جوته إلى رئيس الأركان البروسي الأسبق وتلميذ شارنهوست، روله فون ليليينشترن، وهي رسالة شكر على عمل تم إهداءه إليه عن مصر. وجاء في الرسالة:
حين تتراكم المواد العلمية في مجالات كثيرة، ولا سيما في المجالات التاريخية، وتبرز أيضاً آراء موفَّقة لترتيبها واستعراضها، فإن الأمرين معاً لا يظلان دائماً في متناول صديق المعرفة والعلم، وخصوصاً في سنوات العمر المتقدمة. ولذلك فإن عظيم الشكر مستحق لمن يجمع ويُنظّم ويُقوِّم، وهذا الشكر أجدني الآن مديناً به لسعادتكم.
فبفضل العمل الذي تفضلتم بإرساله إليَّ، نصاً ولوحاتٍ، بلغتُ لأول مرة إدراك الصعوبات التي حالت حتى الآن بيني وبين المشاركة في الاهتمام بآثار مصر القديمة. ويسعدني أن أكون قد أصبحتُ أكثر انتباهاً إلى تقسيم البلاد الضروري للتاريخ، وإلى الأحداث المتزامنة، وكذلك السابقة واللاحقة، وإلى الوقائع الداخلية الخلّاقة والهدّامة، وإلى التأثيرات إلى الخارج ومن الخارج. إن تحصيل كل هذا من خلال عرض واضح أمر أعدّه جديراً بوافر الامتنان، إذ لم تُوجِّهني لا الفنون ولا الطبيعة طوال سنوات طويلة توجيهاً خاصاً إلى مصر، ذلك البلد الجاد إلى حد الإفراط، الذي بدت حروفه العجيبة وكأنها مختومة إلى الأبد.
وبحسب ما تعونه من مشقة الدراسة، فإنكم أدرى الناس بتقدير مقدار التيسير الذي صرنا مدينين لكم به؛ ويغدو هذا التيسير أعظم شأناً، لأن التأثيرات المتبادلة من هناك كانت تعود فتقلقنا بين الحين والآخر في التاريخ العالمي، وتجعل معرفة الترابط أمراً مرغوباً فيه، ترابط ما كنا لا نعرفه إلا عرضاً.
ولو أردتُ أن أواصل الإقرار على نحو خاص بمدى ما صرتُ مديناً به لعملكم من معرفة وإحاطة عامة، لتوسعتُ أكثر مما ينبغي. ويجوز لي أن أُقر بأنكم قد أزلتم، إن لم تزيلوا، فخففتم نفوري من تلك المملكة الصحراوية للموتى. ويسرّني أن أمشي على يديكم بين تلك الأنقاض اللامتناهية التي قد تعجز أقوى المخيلة عن إعادة بنائها. ويسعدني أنكم تذكرتموني من جديد، وترغبون في أن تتأكدوا من أنني أشارك أيضاً بأصدق اهتمام في هذه التطورات التي يشهدها عصرنا.
المخلص الشاكر
ي. ف. جوته
فايمار، 12 أغسطس 1827

جوته والشرق… أفق يتجاوز أوروبا
لم يكن اهتمام جوته بمصر حدثاً معزولاً. فمنذ أواخر القرن الثامن عشر، شهدت أوروبا موجة واسعة من الاهتمام بالشرق، تعززت بعد الحملة الفرنسية على مصر (1798–1801) بقيادة نابليون بونابرت، والتي أفرزت العمل الموسوعي الشهير وصف مصر، فاتحةً الباب أمام دراسة علمية منهجية للآثار المصرية. وضمن هذا المناخ الثقافي، برز جوته بوصفه أحد أبرز رموز الانفتاح على الشرق. ففي عمله الشهير الديوان الغربي الشرقي، استلهم الشعر الفارسي والعربي، مؤكداً أن الأدب جسر بين الثقافات لا يعرف الحدود. وكانت مصر، بالنسبة إليه، جزءاً من هذا الأفق الروحي والحضاري الرحب.
رسالة من أواخر العمر… وفضول لا يشيخ
عام 1827، كان جوته في السابعة والسبعين من عمره، لكنه ظل متابعاً دقيقاً للتطورات العلمية في أوروبا، ومنها الاكتشاف المفصلي الذي حققه جان فرانسوا شامبليون عام 1822 بفك رموز اللغة الهيروغليفية. هذا الحدث منح علم المصريات دفعة غير مسبوقة، وجعل دراسة الحضارة المصرية ممكنة من داخل نصوصها الأصلية.
في رسالته، يعرب جوته عن امتنانه للمؤسسة العلمية التي زودته بالمنشورات الحديثة حول مصر القديمة، ويشيد بالتنظيم العلمي للمادة البحثية، معتبراً أن دراسة هذه الحضارة ليست نبشاً في الماضي، بل مدخلاً لفهم أعمق لمسار التاريخ الإنساني.
اللافت في النص أن جوته، رغم اعترافه بصعوبة هذا الحقل المعرفي، يُظهر إعجاباً واضحاً بقدرة الباحثين على فك ألغاز استمرت قروناً. وهو بذلك يضع نفسه في موقع المثقف المتابع، لا الشاعر المنعزل عن تطورات عصره.
مصر في عين الشاعر
لم يكن اهتمام جوته مقتصراً على الجانب الأثري أو اللغوي، بل امتد إلى البعد الجمالي للحضارة المصرية. فقد رأى في فنونها تعبيراً عن روح عميقة ونظام فكري متماسك، يعكس مستوى رفيعاً من التطور الحضاري.
هذا التقدير يتقاطع مع نظرته الأوسع إلى التاريخ بوصفه مساراً إنسانياً مشتركاً. فجوته، الذي دوّن سكرتيره أحاديثه في كتاب محادثات جوته مع إكرمان، كان يؤكد أن دراسة الحضارات القديمة ضرورة لفهم الحاضر، وأن الثقافة الحقة تقوم على الحوار لا القطيعة.
وثيقة تتجاوز زمنها
تكمن أهمية هذه الرسالة في أنها لا تُظهر فقط علاقة شاعر كبير بمصر، بل تعكس لحظة تاريخية كانت أوروبا فيها تعيد اكتشاف الشرق علمياً وأدبياً. كما تكشف عن دور المثقف في دعم الحقول المعرفية الناشئة، إذ إن اهتمام شخصية بحجم جوته بعلم المصريات أسهم، ولو رمزياً، في تعزيز مكانته داخل الأوساط الثقافية الألمانية. واليوم، وبعد ما يقرب من قرنين على كتابة الرسالة، تبدو كلمات جوته ذات صدى معاصر. فهي تذكرنا بأن المعرفة لا تعترف بالحدود، وأن الحضارات تتلاقح بالحوار والفضول والاحترام المتبادل.
جوته… نموذجاً للانفتاح الثقافي
في عالم يشهد توترات ثقافية وهويّات متصاعدة، يقدم جوته مثالاً لمثقف رأى في الشرق امتداداً للخبرة الإنسانية، لا “آخر” غريباً. لقد تعامل مع مصر بوصفها جزءاً من التراث الإنساني المشترك، يستحق الدراسة والتأمل والإعجاب. إن رسالة جوته عن مصر ليست مجرد وثيقة أرشيفية؛ إنها شهادة على أن الأدب يمكن أن يكون جسراً بين العصور والحضارات. ومن فايمار إلى وادي النيل، ظل صوت الشاعر الألماني الكبير ينادي بفكرة بسيطة وعميقة في آن: أن الإنسانية واحدة، وأن فهم الماضي هو سبيلنا لبناء مستقبل أكثر اتساعاً وتسامحاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى