من المستثمر إلى الشريك: كيف يصنع رأس المال الوطني نهضة اقتصادية مستدامة؟

بقلم: حسن مشعل

لم تعد التحديات الاقتصادية
التي تواجهها الدول تُحل بالحلول التقليدية، ولا بالاعتماد على تدفقات استثمارية عابرة تبحث عن الربح السريع. التجارب الناجحة عالميًا أثبتت أن النهضة الحقيقية تبدأ عندما يتحول القطاع الخاص من مستثمر مؤقت إلى شريك في القرار والتنفيذ والمخاطرة.

ومصر، في هذه المرحلة الدقيقة، تمتلك فرصة حقيقية لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة ورجال الأعمال على أسس أكثر نضجًا ووضوحًا، تقوم على الشراكة لا التبعية، وعلى الإنتاج لا المضاربة.

لماذا الشراكة مع القطاع الخاص ضرورة اقتصادية؟
من منظور اقتصادي بحت، لا تستطيع الدولة — مهما بلغت إمكاناتها — أن تتحمل وحدها أعباء التنمية الشاملة، خاصة في ظل:

مشروعات قومية كثيفة رأس المال
احتياج لتمويل طويل الأجل
ضرورة رفع كفاءة التشغيل والإدارة
هنا يصبح القطاع الخاص، وبالأخص رجال الأعمال المصريين، عنصرًا لا غنى عنه، ليس فقط كممول، بل كطرف:
يشارك في التخطيط
يتحمل جزءًا من المخاطر
يلتزم بمعايير الأداء والكفاءة
يسهم في نقل الخبرات وبناء القدرات
كيف تكون مشاركة رجال الأعمال أكثر فاعلية؟
المطلوب ليس مشاركة شكلية، بل نماذج واضحة ومؤسسية، من بينها:

شراكات إدارة وتشغيل

حيث تظل الأصول مملوكة للدولة، بينما يتولى القطاع الخاص الإدارة والتشغيل وفق مؤشرات أداء واضحة، بما يرفع الكفاءة ويقلل الهدر.

الدخول كشريك استثماري رئيسي
في المشروعات القومية الكبرى (الزراعة، الصناعة، الطاقة، التعدين)، على أن يكون لرأس المال المصري نصيب حاكم في الملكية واتخاذ القرار.
تحالفات بين شركات خاصة مصرية
لتكوين كيانات قوية قادرة على تنفيذ مشروعات ضخمة، بدل الاعتماد على شركات أجنبية تمتلك الحجم والخبرة فقط.
التمويل مقابل الامتياز طويل الأجل
وهو نموذج يحقق للدولة تنفيذ المشروعات دون أعباء فورية، ويمنح المستثمر عائدًا مستقرًا طويل الأمد بدل الأرباح السريعة.
الزراعة والصناعة: مجالات طبيعية للشراكة الوطنية
في الزراعة، يمكن لرجال الأعمال الدخول في:
مشروعات الاستصلاح المتكامل
التصنيع الزراعي
إدارة سلاسل الإمداد والتخزين
وهي مجالات تحقق عائدًا مستدامًا، وتقلل الاعتماد على الاستيراد، وتساهم في استقرار السوق.
أما الصناعة، فالشراكة مع القطاع الخاص الوطني هي المدخل الحقيقي لـ:
تعميق التصنيع المحلي
توطين الصناعات المغذية
إحلال الواردات
زيادة الصادرات
وكلها أهداف لا تتحقق دون رأس مال يؤمن بالإنتاج طويل الأجل.
الحفر والتنقيب والتعدين: ملف الشراكة المؤجلة
من أكثر الملفات التي تحتاج إلى إعادة نظر، قطاعات النفط والغاز والحفر والتعدين. الاعتماد الواسع على الشركات الأجنبية جعل:
جزءًا كبيرًا من العوائد يخرج للخارج
المعرفة الفنية محصورة
فرص بناء شركات وطنية قوية محدودة
الحل لا يكمن في الإقصاء، بل في تمكين القطاع الخاص المصري ليكون:
شريكًا أساسيًا في عمليات الحفر والخدمات
طرفًا في نقل التكنولوجيا
نواة لشركات وطنية قادرة على المنافسة إقليميًا
وجود رجال أعمال مصريين في هذه القطاعات يعزز السيادة الاقتصادية، ويخفض التكلفة، ويزيد العائد المحلي.
الاستثمار الوطني كأداة استقرار
رأس المال المحلي أكثر قدرة على الصمود أمام الأزمات، وأكثر ارتباطًا بالسوق الحقيقي، وأقل ميلًا للخروج المفاجئ. لذلك، فإن تعظيم دوره لا يخدم المستثمر فقط، بل يخدم:
استقرار الاقتصاد
استدامة النمو
تقليل الضغط على العملة الصعبة
الخلاصة
ما تحتاجه مصر اليوم ليس مجرد ضخ أموال، بل تحالف وطني اقتصادي:

الدولة تضع الرؤية وتضمن العدالة والتنظيم
والقطاع الخاص ينفذ، ويبتكر، ويستثمر
عندما يصبح رجل الأعمال شريكًا في النهضة، لا مجرد متعاقد، يتحول الاستثمار من رقم في ميزانية إلى ركيزة لبناء دولة قوية.
فالاقتصاد لا ينهض بالنيات وحدها،
ولا بالاستثمار العابر،
بل بالشراكة الواعية بين الدولة وأبنائها.
بقلم: حسن مشعل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى