هدى زوين تكتب: من يدري ما تراه النعامة في الرمال؟

ليس السؤال عن النعامة، بل عمّا نختار نحن ألّا نراه.
ليست النعامة هي المسألة، بل ما أسقطناه عليها من خوفنا. ذاك الرأس المنحني نحو الرمل صار مرآةً لعادة بشرية قديمة: أن نخفّف وطأة الواقع بتحويل النظر عنه. لسنا نجهل الحقيقة دائمًا، نحن فقط نفاوضها على المسافة التي تسمح لنا بالاستمرار دون أن ننهار.
ما هو قريب أكثر مما ينبغي يُربك. الرؤية ليست فعل عين، بل عبء وعي. أن ترى يعني أن تُعاد صياغتك من الداخل، وأن تُسأل عمّا اعتدتَ الهروب منه. لذلك تمرّ الحقائق أمامنا بلا مقاومة ظاهرة، لأن مقاومتها الحقيقية تبدأ بعد الاعتراف بها.
نحن لا ندفن رؤوسنا في الرمل، بل ندفن الأسئلة. نؤجّل مواجهة علاقة تُفرغنا، مسارًا لا يشبهنا، صورةً عن ذواتنا لم نعد نصدقها. نخترع مبرّرات أنيقة للانتظار، ونسمّي التردّد حكمة، والخوف تعقّلًا، بينما يتّسع الشرخ في العمق بصمت.
وفي المجال العام، يتّخذ الإنكار شكل لغة. تُصاغ الكلمات لتُخدّر المعنى، وتُزيَّن الوقائع كي لا تُرى كما هي. ما لا يُسمّى يواصل العمل في الخفاء، وما لا يُواجه يتحوّل إلى بنية تتحكّم في المصير دون أن تُعلن عن نفسها. ليست الأزمات انفجارات مفاجئة، بل تراكمات طويلة لما أُجِّل النظر إليه.
لكن الانحناء ليس دائمًا هروبًا. أحيانًا نقترب من الأرض كي نرى أدقّ، لا كي نختفي. الصمت قد يكون مساحة إصغاء، والتراجع قد يكون ترتيبًا للرؤية. الفارق بين الحكمة والإنكار لا يُقاس بالشكل، بل بالاتجاه: هل نعود ومعنا وعي أوسع، أم نعود إلى النقطة ذاتها وقد تعلّمنا كيف نتجاهل أفضل؟
ما يُخفى لا يختفي. الأفكار المؤجَّلة تتحوّل إلى قناعات صامتة، والمخاوف غير المعترف بها تصير قرارات مستترة، والعلاقات لا تنهار بالضجيج، بل بالفراغ الذي يتّسع بين ما نشعر به وما نقوله.
السؤال الحقيقي ليس: ماذا نرى؟ بل: ما الذي نخشى أن نراه؟ لأن الرؤية مسؤولية، والمسؤولية تغيّر مواقعنا من العالم ومن أنفسنا. كثيرون يفضّلون سلامة اللحظة على صدق التحوّل، مع أن الزمن لا يحمي ما نرفض مواجهته.
قد لا نعرف ما تراه النعامة في الرمال، لكننا نعرف ما يمكن أن نراه حين نكفّ عن التفاوض مع الحقيقة: أنفسنا بلا أقنعة، والواقع بلا تجميل، والاحتمالات كما هي لا كما نحبّ أن نتخيّلها. فالعالم لا يتبدّل حين نُغمض أعيننا، بل حين نمتلك شجاعة فتحها — حتى على ما يُربكنا، لأن ما نراه بوعي، يفقد قدرته على السيطرة علينا.
كاتبة وإعلامية




